الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
409
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
( إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ ) « 1 » . كما أن الإحسان علم ومعرفة ، ذلك لأن المعرفة كمال ، والمحسن عندما يحسن فهو عالم بإحسانه عارف بثوابه ، إذ يجد ثمرة إحسانه من اللَّه ، فيرد إليه إحسانه ، وذلك في قوله تعالى : ( هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ ) « 2 » . وإذا ارتقى الإنسان إلى مدارج الحكمة ، وصعد من شريعته إلى حقيقته وقويت نفسه المطمئنة على عدوها وهي نفسه الأمارة ، وصدق قلبه مع عقله فإنه يمكٍن أن يرتفع إلى التسامح ، ومن القصاص إلى العفو . . . ومن معنى العفو إلى معنى الإحسان ، وهو السلوك الأمثل والطريق الأفضل ، لأنه عطاء وارتقاء من الغيظ إلى البر ، ومن الانتقام إلى الإحسان ، بل وهو إيثار وتفضل وبعد عن شهوات النفس وحظوظها وهواها ، وبذلك تبدل الغيظ أمنا وسلاما ، والانتقام رحمة وشفقة ورضاء . وكذلك تجد معنى الإحسان في قصة سيدنا يوسف عليه السلام ، كما وردت في القرآن الكريم ، فحكم العدل إنما يقضي الانتقام من إخوته الذين رموا به في الجب قاصدين قتله ، ثم آتاه نصر اللَّه ، وأصبح أقوى منهم جميعا ، وتولى خزائن الأرض ومفاتيح الحكم . ولكنه أبى أن يعاملهم بمنطق العين بالعين ، وبشريعة العدل وكان قادرا على ذلك ، لكنه كظم غيظه وعفا عنهم ، بل وأحسن إليهم وقال لهم : ( قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) « 3 » . ولم يكن إحسانه لطلب أو منفعة أو مصلحة ، وإنما طهارة في القلب ، وبعد عن الضغينة والكراهية والغضب ، وطلب من اللَّه المغفرة على خطاياهم ، هذا برغم ما فعلوه به من ضرر وأثم وأذى ، وهذه هي أخلاق الإحسان . فالإحسان أجمل ما في الإنسان ، ففيه تتأكد المعاني الكريمة من أمر بمعروف ونهى عن
--> ( 1 ) الإسراء : 7 . ( 2 ) الرحمن : 60 . ( 3 ) يوسف : 92 .